Tuesday, November 14, 2006

 
الاثنين 13 تشرين ثاني 2006
السلام عليكم..
اريد ان اكمل حديثي عن زيارتي لبغداد..
وصلت يوم الخميس بعد الظهر, استقبلني قريبي ومن المفروض ان يأخذني الى بيت صديقتي في حي دراغ , المنصور , مباشرة, لكنني حين مررنا قرب الحي الذي كنت اسكن فيه , طلبت منه التوقف لرؤية بيتنا , تردد وقال ان الوضع الامني رديء, والمنطقة غير آمنه ..
توسلت به وقلت انني لن اطيل , فقط القي نظرة سريعة على البيت .
اتصل بالحارس الذي معه مفتاح البيت , وطب منه الحضور فورا..

توقفت السيارة قرب البيت, ونزلت اتمشى بحذر وخوف, القيت نظرة على الفرن جنب البيت وسألت عنه , قال لقد اغلق منذ حوالي سنة,
والدكان الصغير , البقالة؟
اغلق ايضا, كان الجواب
تمشيت فوجدت محل الميكانيكي ( البنشرجي ) فقط فاتح , سلمت عليه , هل تذكرني ؟
قلت له..
ابتسم وقال اهلا وسهلا, نعم اتذكرك
قلت له كيف هي المنطقة؟
آمنه ؟
قال : لا , ما عادت آمنه, قبل يومين اغتالوا في الشارع هناك استاذا جامعيا في الصباح وهو خارج من بيته فمات على الفور..
ودائما تحدث هجمات مسلحة مفاجئة , من عصابات تأتي من خارج الحي , تنفذ عمليات اغتيال وتهرب..
انزعجت وانعصر قلبي..
قلت له ممكن نجلس داخل المحل ننتظر مفتاح البيت؟
قال : طبعا, تفضلوا..
دخلت المحل, فيه معدات ميكانيكية لتصليح ثقوب عجلات السيارات , اين الكرسي؟
ثمة كرسي عليه قطعة اسفنج ملطخة بالزيت, زيت المحركات, قلبتها فوجدتها نفس الشيء من الجهتين, ابتسمت , من سيهتم؟
كنت البس طقما نظيفا جديدا اشتريته للسفر حين كنت في عمان ..
لكني هنا لا ابالي ..
من يهتم بالاناقة والنظافة حين يحوم الموت من كل اتجاه ؟

جاء المفتاح , كنت قلقة جدا وانا اقف عند الباب الخارجي انتظرهم يجربون المفاتيح , كنت احدق بكل سيارة تمر, اتخيل ثمة عصابة ستقف وترشقنا بالنار وتهرب
قلبي يدق ويتسارع النبض..
تمر سيارات فيها رجل وطفل, او امرأة ورجل , اتنفس الصعداء
لكنني انكمش حين ارى سيارة بها مجموعة رجال, اظل قلقة احدق بوجوههم حتى يبتعدوا
كنت في عمان لا ابالي بمن يمر امامي او خلفي
لكن هنا, الحال مختلف
الحذر مطلوب , مع اننا مؤمنين ان الامر كله بيد الله, لكن الحذر مطلوب
************************
تمشيت ببطء على بلاط الكراج , ونظرت بحزن الى الحديقة الصغيرة المهجورة
وكراسيها البيضاء يعلوها الغبار ..
دخلت البيت, من باب المطبخ , صعقني منظر الغبار على الطاولة والكراسي , لم أر من قبل كمية غبار سميكة كهذه على الاثاث في حياتي
دخلت البيت تمشيت في الصالة , ووجدت ان الاثاث متروك كما هو , زوجي كان اخر من غادر البيت, مع انني اوصيته ان يرفع السجاد, ويغطي الاثاث, لكني اكتشفت انه ترك كل شيء على حاله
كأنه يخطط للعودة بعد ساعة من الزمن ..
الغبار على الطاولات الصغيرات واغطيتها
وعلى التحف الصغيرة المتنوعة قرب طاولة الطعام
الكهرباء غير موجودة, ثمة ظلام يلف البيت
اقتربت وحدقت في الاشياء, عادت الذكريات تتساقط
هذا جرس صغير من لبنان, هذا فيل خشبي من الهند
هذه علبة صغيرة مزخرفة من ايران
نظرت الى غرفة الضيوف, علاها الغبار وغطى قطع الدانتيل الجميلة التي كانت على الطاولات الخشبية الصغيرة , تشوه منظر كل شيء من الغبار
ثمة طاولة صغيرة مدورة في الزاوية عليها تيبل لامب جميل تذكرته لان, وشرشف ساتان , وتحفه صينية مزخرفه, تذكرت كل شيء متى؟ ومن اين اشتريته؟
نظرت للحائط, ثمة لوحات معلقة بعضها عليها ايات قران مكتوبة, وبعضها مرسوم عليها ورود جميلة ...
كل شيء يعلوه الغبار....

وهناك في الجلسة , التلفزيون عليه طن من الغبار, وكتبي على الرفوف مليئة بالغبار
وصور اولادي عليها الغبار..

صعدت الى الطابق العلوي وفتحت غرف النوم
الغبار يغطي الاسرة و اللحف والمخدات والبطانيات بطريقة محزنة , ومكتب دراسة الاولاد, وخزانة الادراج التي امامها مرآة
السجاد عليه غبار كثيف .. غبار احمريخبر عن عواصف رملية غزت بغداد اثناء غيابي

تمشيت في الممر, ثم دخلت المكتبة , رأيت المكتب يعلوه الغبار فوق كتبي واقلامي واوراقي
حزنت ,و احسست كم هو ثقيل الحزن على قلبي
خرجت بصمت اتمشى بهدوء, قريبي صامت يمشي خلفي ولا يتكلم
وقفت عند نهاية السلم الخشبي والرخامي الذي يتوسط البيت, والقيت نظرة على كومبيوتر خالد في الطابق السفلي, ترك السماعات على الكنبة , والكاميرا على الشاشة, كل شيء مكانه كأن اهل البيت سيعودون بعد قليل , والتراب غطى كل شيء
نظرت الى الثريا الكبيرة التي تتوسط البيت ورأيت الغبار قد شوه بريقها وجمالها ايضا ..
نظرت للبيت كله نظرة اسف شاملة
تذكرت الحرب , والفوضى والسلب والنهب والاغتيالات , وهجرة اخي الطبيب صاحب البيت وخوفه على نفسه وعائلته , ورحيلي من بيتنا السابق الى هنا لانه كان في منطقة قريبة من شارع المطار, قلب المعركة ضد الاحتلال, كل يوم تفجيرات ويتكسر زجاج الشبابيك

ثم تذكرت قصة خطف ابني خالد من الكلية واعتقاله ووضعه في وزارة الداخلية لمدة 12 يوم بتهمة الارهاب , لا لشيء سوى ان له لحية
وكيف مرت على العائلة تلك الايام العصيبة , ثم اطلقوا سراحه لأنه بريء, ولأننا دفعنا عنه فدية, وقررنا ان نغادر العرا ق كما فعلت الاف العوائل قبلنا وبعدنا ..
وتذكرت كيف تفرقت العائلة , خالد يدرس في جامعة خارج عمان اراه مرة في الاسبوع
وماجد يدرس في القاهرة
ورائد يعيش في اميركا ليعمل من اجل العراق
وانا اعمل مع منظمات مختلفة لمساعدة المنكوبين والمهجرين من اهل العراق

بدأت اجهش بالبكاء
وجاء قريبي يواسيني , هل تبكين على الاثاث؟
وعلى الغبار؟
غدا ستأتي امرأة تنظف البيت...

قلت له من خلال دموعي: لا , لست ابكي على الاثاث , فليذهب الى الجحيم , انما ابكي بلدي الذي تحطم , وعائلتي التي تشتت , والعراقيين الذين قتلوا , والدماء التي سفكت , والخراب الذ ي انتشر,
كل العراقيين مثلي , اصابهم ما اصابني ....
بقيت ابكي بحرقة, لكنه سحبني , وأخرجني من البيت رغما عني حتى اسكت ....
*****************
وصلت بيت صديقتي , انزلت حقائبي
استقبلتني بحرارة , واعطتني غرفتها
قلت لها لا اريد ان اشعر بالذنب , تنامين انتي وزوجك في الصالون وانا احتل غرفتكم؟
رفضت الاصغاء وقالت انها سعيدة بوجودي
ووجدتها اعدت لي غداء , كنت جائعة جدا, منذ الصباح لم اتناول وجبة ..
أكلت بشهية , شممت رائحة الطعام العراقي في كل شيء
خصوصا اللبن , والطرشي , ثم الكباب ...
منذ متى لم اتذوق كباب عراقي؟
لست من الناس الاكولين, عادة شهيتي قليلة لكنني كنت سعيدة بأنني اتذوق طعام بغداد الحبيبة
وبأنني في بيت صديقتي , زميلة الدراسة ايام كلية الهندسة, جامعة بغداد
وهي تحبني وتعاملني مثل اهلي
اين اهلي ؟
كنا ثمانية اخوة واخوات قبل الحرب
الان لي اخت واحدة, وأخ واحد, والباقين غادروا العراق بعد الحرب
اتصلت بأختي , تسكن في السيدية , تبادلنا التحيات والاسئلة بحرارة
ثم دعتني ان اتناول عندها الغداء يوم السبت , لكن قريبي الذي يرافقني رفض وقال تلك منطقة خطرة , وصديقتي التي اسكن عندها ايضا حذرتني ...
اتصلت اختي يوم السبت , وقالت لا تأتي , الوضع هنا خطر...
الغيت الزيارة , لم أذهب لرؤيتها, بقينا فقط نتكلم على الهاتف......
اي حياة هذه؟
الناس لا يقدرون على الحركة من حي الى حي اخر داخل بغداد ؟
***********************************
نمت الليلة الاولى على صوت طلقات نارية متفرقة , تقترب وتبتعد , واطلاقات هاون , لم اسمعها منذ سنتين , لكنني كنت سعيدة انني اشم هواء بغداد , وأنام في حضن بغداد ..



<< Home

This page is powered by Blogger. Isn't yours?

Extreme Tracker
Links
archives