Sunday, February 26, 2006

 
الأحد 26 شباط 2006
مساء الخير...
الأيام القليلة الماضية كانت أياما شديدة القسوة على العراقيين , بعد تفجير مرقد الائمة في سامراء, ثم الهجوم على المساجد في مدن مختلفة من العراق, لتبدو العملية كأنها علامة على بداية حرب أهلية في العراق..
وكل العراقيين الذين تكلمت معهم في بغداد أو عمان غاضبون ويقولون نحن ابرياء من هذه الافعال, والذي اثارها يريد اثارة حرب اهلية قسرا في العراق, لكنه سيخسر لا محالة, ليس ثمة استعداد لدى العراقيين لأي نوع من حرب اهلية أو طائفية...
أتابع الاخبار من العراق عبر محطات البث الفضائية العراقية, ولقاءات مع الناس هناك , ومع مختلف القيادات الدينية والسياسية والاجتماعية في العراق, وكلهم يستنكرون ما حدث
وعبر مسجات الموبايل بيني وبين صديقاتي في بغداد أتخيل كأنني اعيش بينهم ونسترجع محنة الحرب في ايامها الاولى في اذار 2003, ونحن في بيوتنا نراقب الاحداث, سقطت الدولة, ودخلت قوات الاحتلال, ودخل مرتزقة دمروا المتحف وسرقوا اثاره, واحرقت المكتبات الوطنية والوثائق التاريخية, ونهبت الوزارات واحرقت بعد ذلك( عدا وزارة النفط) ونهبت الجامعات واحرقت او دمرت مكتباتها, كأن ثمة هجمة بربرية تذكرنا بما فعله المغول باجدادنا حين دخلوا العراق قبل قرون مضت....
قالوا ايضا في كتب التاريخ ان نهر دجلة صار لونه أسود من حبر الكتب التي مزقت وغرقت فيه..
هاجمنا وقتها برابرة من المغول, لا يفهمون ما معنى حضارة ولا كتب ولا ثقافة ولا فنون, وعادة ثمة حقد من الجاهل ضد المتحضر, وعبر عنه الغزاة المغول بتدمير بغداد عاصمة الخلافة العباسية, ومركز اشعاع الحضارة والعلم والفنون وقتها....
وفي عام 2003 تعرضت بغداد لغزو من نوع اخر, المفروض ان الغزاة الجدد متحضرون وجاؤوا ليخلصونا من طاغية شاركوا هم بصناعته, ثم تحت حجج كثيرة, ساقوا الجيوش والدبابات والصواريخ والاسلحة غير التقليدية من قنابل عنقودية او يورانيوم منضب او فسفور ابيض, والقوها على العراق أرضا وشعبا تحت شعار : تحرير العراق
مات من مات, وجرح من جرح, وتدمر ما تدمر من بنية تحتية للبلاد ,وتسممت وتلوثت مياه وتربة وهواء العراق الى عشرات السنين حيث ستبقى أثار العناصر الثقيلة من اثار الحروب موجودة تلوث المياه والنباتات وتسبب الامراض مثل السرطانات وتلف الكلى والجهاز العصبي والجهاز العظمي وغيرها من امراض مرتبطة بوجود عناصر ضارة في البيئة تسببها مخلفات الحروب ...
*****************************
والدولة المتحضرة التي غزتنا , لم تقدر ان تمنع الخراب والدمار ان يتكرر في العراق, وكلنا تساءلنا هل هو من قلة تدبيرها ام هو فعل متعمد ؟
بالعكس, كنا نرى ان الادارة الامريكية استثمرت النهب والسلب الذي حدث في العراق وشجعته عبر نشره والتركيز عليه في وسائل اعلامهم , ليرسلوا للعالم رسالة : هذا هو الشعب العراقي , انهم حفنة من همج ووحوش, سنبقى هنا حتى نعلمهم الحضارة والنظام وحقوق الانسان...
وها هي قد مرت ثلاث سنوات تقريبا ونحن تحت الاحتلال, فماذا حصدنا؟
هاهو المشهد ذاته يتكرر..
العراقيون في بيوتهم, وثمة مرتزقة تعيث في العراق فسادا, تفجر وتحرق المساجد وتقتل بطريقة عشوائية , لتقول للعالم ان العراق على وشك حرب اهلية...
***********************************************
أعود الى مذكراتي في الايام الاولى بعد سقوط بغداد, وكتبت عن حيرتي وخوفي مما سيأتي, وكنت ادعو الله ان يوحد العراقيين ولا يفرقهم...
لكن العراق اليوم ليس ذلك الذي كان يوم دخل الاحتلال...
كنا نعيش كعائلة واحدة صابرة على الحلوة والمرة كما يقولون , عشنا الحروب وفقدنا الاحبة وشربنا من كأس الظلم , وصبرنا...
ثم جاء الحصار, عانينا ما عانينا من قسوة الحياة وشحة الموارد وصبرنا , كنا نتحسر على كيلو طحين ابيض, وكنا نخبز في بيوتنا, ليس ثمة عائلة في العراق لم تعاني من قسوة تلك الايام , وتوحدت قلوبنا لاننا عشنا تحت نفس المظلة, وواسينا بعضنا في الظروف القاسية, فأحسسنا اننا عائلة واحدة تجمعنا روابط كثيرة مشتركة , طغت علينا الروح العراقية الطيبة الكريمة المتسامحة, وظلت نفوسنا متفائلة بما سيأتي به الغد..
كنا نطمح ان يتغير النظام السياسي في العراق عن طريق عقول عراقية وطنية مخلصة من داخل العراق, تخطط وتدبر لتغيير النظام دونما خسائر فادحة, وكنا نطمح ان تأتي سلطة سياسية جديدة لتستلم زمام الامور في البلاد بهدوء , دون عنف او انتقام او تسديد حسابات الماضي...
كنا نطمح ان يتغير كل شيء بأيدي عراقية خالصة تجلب معها خطابا فكريا جديدا مستقلا وطنيا ناضجا , على مستوى السياسة الداخلية او الخارجية...
لكن ما الذي حدث؟
الذي حدث ان قوة عظمى مثل اميركا تدخلت في شؤوننا منذ تولى صدام حسين السلطة , وثمة تقارير للمخابرات المركزية الامريكية تقول انهم ساعدوه على تولي الحكم في العراق, ثم استمرت سياساته الخرقاء لتنفيذ طلباتهم واجندتهم الخاصة, دخل الحرب على ايران , فدمر واضعف اقتصاد العراق , وقتل مئات الالاف من العراقيين في تلك الحرب السخيفة, ثم ضرب الكيمياوي على القرى الكردية , ومن موله بالسلاح الكيمياوي؟
واستعمله ضد الجيش الايراني في المعارك بعلم الحكومة الامريكية, لكنه كان حليفها, وكان كل شيء يفعله يرضيها وتغطي عليه, ليس ثمة فضائح في وسائل الاعلام او قصص عما يفعله بالعراقيين, حتى انني قرأت اكثر من مرة هذه الجملة في اماكن مختلفة :أن المخابرات المركزية الامريكية كانت تبلغه عن كل محاولة انقلاب يقوم بها العراقيون ضده....
وبعد حرب الكويت 1990, كانت هنالك فرصة حقيقية لاسقاط صدام حسين بيد العراقيين, لكن الحكومة الامريكية اعطته الضوء الاخضر لضرب المدن العراقية المتمردة بالطيران , والمدفعية...
كنت اتساءل لماذا ؟
وكل العراقيين يتساءلون معي, لكنني اظن اننا فهمنا الجواب الان, بعد مرور هذه السنوات ,فقد تبين ان الحكومة الامريكية لا تريد ان يحدث تغيير في العراق بقرار من الشعب وحسب ارادة الشعب , لانه سياتي بحكومة وطنية حقيقية, تعطي الاولوية لمصلحة العراقيين, ولها شرعية قوية من الشعب, ولن يقدر احد ان يهددها ما دام الشعب ذاته راض عنها...
لذلك , جاءت الحرب على العراق لتسقط صدام, وتضع القيادات التي تريدها اميركا, وتضع الخطط حول مستقبل العراق , حسب الرؤية الامريكية, وليس الرؤية العراقية...
هذا هو التفسير الوحيد لقصة لماذا لم يساعدوا العراقيين في انتفاضتهم عام 1990
مرور الزمن, وتراكم الاحداث, يعطي التفسيرات المنطقية...
************************************
ومنذ ان جاء الحاكم الامريكي بريمر الى بغداد, بدأ بتطبيق البرنامج الذي تريد الادارة الامريكية ان يمضي في العراق..
البرنامج الطائفي والعرقي البغيض, حيث بدأت وسائل اعلامهم تتكلم عن العراق: المثلث السني, المنطقة الشيعية, المنطقة الكردية..
ادخلوا هذه المصطلحات لأول مرة في حياتنا , وصارت وسائل الاعلام كلها تردد وراءهم كالببغاوات هذه المصطلحات..
تم تعيين مجلس الحكم المؤقت على اساس طائفي وعرقي وحصص , مما اثار دهشة العراقيين وتساؤلاتهم ..
ثم جاء قانون ادارة الدولة الذي وضعه بريمر, كله مبني على أسس طائفية وعنصرية , وادخل كلمة الفدرالية كعنوان لتقسيم العراق الى ثلاثة اقسام..
كل هذا يحدث, والشعب العراقي بعيد عن القرار, هذه قرارت تخص مصيره ومستقبله يتم املاؤها من فوق, من هناك في واشنطن , وجيء بقادة عراقيين بؤساء يجلسون في المنطقة الخضراء’ يتحركون في شوارع بغداد تحت حماية جيش الاحتلال, لا يمثلون طموحات العراقي ولا رؤيته للاحداث...
هل ثمة بؤس اكثر من هذا؟؟
*****************************
ثم جاءت الانتخابات الاولى, وكانت الاجواء مشحونة بالتوتر , ومحاولة تهميش جزء من العراقيين تحت حجج سخيفة, وتمت الانتخابات الاولى وقاطعها الكثير من العراقيين وتساءلوا عن شرعيتها..
وتكونت حكومة بعد جهود ثلاثة شهور, وتقسمت الوزارات بطريقة طائفية, هذه وزارة شيعة, معناها من الوزير الى الموظفين كلها تقريبا شيعية,
وهذه وزارة اكراد من الوزير الى الموظفين...
طيب أين يذهب المهندسين أو الاطباء او المحامين من الطوائف الاخرى ؟
سقط مبدأ الكفاءة في التعيين, جاء مبدأ الطائفية اولا لتؤهلك للدخول لهذا المكان..
منذ متى نفكر كعراقيين بهذه الطريقة السخيفة ونقيم الاشياء من خلالها؟
لقد رجعنا الى عصور مظلمة, لم نسمع عن هذا لا في تاريخ ابائنا ولا اجدادنا ...
وبدأت مليشيات تظهر في الشوارع , هذه لحزب كذا وهذه لحزب كذا, بينما تم حل الجيش العراقي الوطني المحترف الذي تأسس 1921
وذهبت قياداته لتجلس في البيوت, البعض منها تم اغتياله, والبعض تعاون مع الاحتلال, والبعض وضع في سجن ابو غريب....
وتمت الموافقة على نشوء مليشيات حزبية طائفية صارت تعمل في وزارة الداخلية مثلا لتنفذ عمليات قذرة ضد العراقيين وهي ابعد ما تكون عن الوطنية والانتماء..
وصار العنف هو اللغة السائدة في الشارع, عصابات قتل وسلب واختطاف , ومليشيات حزبية تقتل وتغتال حسب مزاجها, والعراقي حائر ضائع تائه يتساءل : ما هو مصيرنا؟
والى أين تتجه البلاد؟
من الذي سمح بكل هذا التشوه ليحصل في العراق؟
اليست هذه سياسة قوات الاحتلال والادارة الامريكية منذ ان دخلوا العراق؟
تمزيق العراق الى طوائف واعراق , والتمتع والسعادة بنقل الاخبار : انهم يتقاتلون بينهم, البلاد على حافة حرب اهلية, كيف ستغادر قواتنا البلاد ؟ هذا لا يجوز , يجب ان تبقى قوات الاحتلال لمنع الحرب الاهلية من ان تنشب....
العالم الخارجي بعيد عنا, يصدق ما يسمع, خصوصا الشعب الامريكي..
ونحن داخل العراق نعيش قصة اخرى, واقع الحال يختلف تماما عما تنقله وكالات الاخبار العالمية...
*******************************
ثم جاءت مسرحية التصويت على الدستور الجديد, وقال الناس لا خير في دستور يفرق العراقيين ولا يجمعهم, وضع أسسه الحاكم الامريكي بريمر وليس العراقيين, من اعطاه الشرعية؟
ثم جاءت الانتخابات الثانية, قبل عدة شهور, وتفاءل بها العراقيون, وشارك بها كل الاحزاب تقريبا, وقلنا لتكن هذه بداية جديدة , لكن نتائج الانتخابات شابها التزوير, وساد البلاد حالة من الغضب والاحباط, ثمة من يستهزأ بنا ويريد اعادتنا الى نقطة الصفر دائما...
العملية السياسية تجري بطريقة غبية بطيئة متعثرة, والسفير الامريكي طرف في الحوار ويضع شروطه لتكوين الحكومة الجديدة, ولم تحل الازمة بعد..
ثم جاءت هذه التفجيرات في الجوامع من قبل مجهولين لتزيد من قتامة المشهد على الساحة العراقية..
طيب, العراقيون يجلسون في بيوتهم, يتألمون ويستنكرون ما يحدث , قادة الطوائف الدينية والاحزاب السياسية والتجمعات الاجتماعية العراقية , حتى حزب البعث والقاعدة والمقاومة استنكروا التفجيرات للمساجد وقتل الابرياء في العراق..
اذا كانت قاعدة الشعب ترفض فكرة الحرب الاهلية, وقادة النخب السياسية والدينية ترفض الحرب الاهلية..
طيب, من الذي يريد حرب اهلية في العراق؟
واضح ان العراقيين هم اخر من يريدها, وثمة من يدفع باتجاهها منذ بداية سقوط بغداد ولحد اليوم, لكنه لم ينجح...
لمصلحة من تقوم حرب اهلية في العراق؟
من هو المستفيد الاول منها؟
كلنا نتساءل...
لا شك انه الذي يريد ان يظل العراق ممزقا ضعيفا , وان تبقى به قوات احتلال اجنبية الى اجل غير مسمى , هو الذي يريد لهذه الحرب ان تقوم...
لكن العراقيين لا يريدونها,يقولون نحن اخوة , ولا يمكن ان نتقاتل , كل ما يحدث هو اشياء مفتعله يقوم بها مرتزقة مجهولون , وندعو الله ان يكشفهم, ويفشل خططهم..
****************************
تكلمت مع كثير من اهلنا واصدقائنا في بغداد يوم امس واليوم, قالوا : لا تخافوا علينا, عملنا لجان مشتركة في الاحياء من سنة وشيعة, نظفنا المساجد, وأقمنا الصلاة مشتركة,
كل محنة تزيدنا صلابة, لا تخافوا علينا...
قلت : الحمد لله, هذا هو العراق, وهؤلاء هم العراقيون الذين اعرفهم طوال حياتي
قالوا : أخبري العالم كله حقيقة ما يحدث, ليس هنالك حرب اهلية في العراق, ولن تكون, هذه كلها اكاذيب, واحلام اعداء العراقيين
***************************
كيف يخرج العراق من المأزق الذي وضعته اميركا فيه؟
هذا السؤال جوابه عند العراقيين, ويتفقون عليه, الحل هو وضع اسس حكومة وحدة وطنية بلا عرقية ولا طائفية, اعطاء العراقيين اجواء صحية للحوار بينهم دون تدخل الاحتلال ليساند فئة ويهمش فئة, ثم جدولة انسحاب قوات الاحتلال..
منذ الاف السنين نعيش مسلمين ومسيحيين, سنة وشيعة , بانسجام وسلام, لم يشهد تاريخنا هذا العنف والدمار وسفك الدماء المجاني كالذي رايناه خلال سنوات الاحتلال التي مرت علينا, حتى ايام صدام حسين, لم نشهد هذا الرعب على حياتنا وعوائلنا , ولم يتمزق المجتمع العراقي كما حدث له الان...
هذه المحنة تزيد العراقيين صلابة , وتوضح امامهم الرؤية, وتجعلهم اكثر قناعة باختيار طريق الوحدة الوطنية كخيار وحيد للخروج من المأزق الذي وضعتهم فيه سياسة الادارة الامريكية الحالية , والطريق السليم الوحيد لبناء عراق جديد....
العراقيون متفقون على خيار الوحدة الوطنية واعادة بناء العراق من جديد على اسس صحيحة عادلة, لكن من سيقنع الادارة الامريكية على الخروج من العراق ووقف تدخلاتها العسكرية والسياسية؟
هنا تكمن المشكلة........



<< Home

This page is powered by Blogger. Isn't yours?

Extreme Tracker
Links
archives